الردة بين الموت
والقتل
ما هي الردة؟
الردة هي العودة والرجوع مصدقاً لقوله تعالي
) 65 سورة
الكهف فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً)
ويُقصد بالردة أي
الرجوع عن دين الإسلام
هل الردة حد
يستوجب القتل؟
قبل أن نجيب علي
هذا السؤال لنتأمل قوله تعالي ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ
انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن
يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
144 آل عمران
لقد
ذكر الله هنا أفإن مات أو قتل أنقلبتم علي أعقابكم فهناك فرق بين الموت والقتل
وذكر
أيضاً قوله تعالي ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ
لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ
عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي
قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ *
وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ
وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى
اللَّه تُحْشَرُونَ﴾ 156و157و158 سورة آل عمران
التأكيد علي ذات المعني بأن
القتل غير الموت
فالموت هو أن تنتهي حياتك بلا
تدخل أدمي أو غيره
والقتل هو سبب للموت ولكنه بشرط
تدخل خارجي أدمي أو غيره
لنتأمل ماذا قال
ربنا تبارك وتعالي في المرتدين وما وتوعده لهم
قال تعالي (وَمَن يَرْتَدِدْ
مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ) سورة البقرة 217
قال تعالي هنا فيمت ولم يقل فيُقتل
أي أنه لو مات علي أعتقاده ولم يتب فيتوعده ربنا تبارك وتعالي بأنه سيُحبط عمله في
الدنيا والأخرة وبأنه خالداً مخلداً في النار
ولم يتوعده الله بالقتل
حداً في الدنيا أيضاً في الأية 54 من سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ
يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
وقبل أن أتحدث عن قيمة
الحرية وشأنها في الإسلام والتي أجزم بأن الإسلام ما جاء إلا ليُحرر الناس ولا
يستعبدهم سأتحدث أولاً عن فكرة المراجعة والتوبة التي أنزل الله في شأنها سورة
كريمة ليراجع كل منا نفسه وفي هذا أنزل الله أيته المحكمة والتي لا تجعلنا نقنط من
رحمة الله مهما فعلنا فقال جل جلاله (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا
تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) 53سورة الزمر
وفي
هذا الشأن قال صلي الله عليه وسلم في حديث أخر( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتي
ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، إن
أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتي ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب
فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) وفي روايه (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما
يبدو للناس وهو من أهل النار...)
فكيف
أقطع طريق العودة علي أحد بقتله فربما يعود؟
وسأنتقل
لضرب مثل أخر فقد ورد في بنود صلح الحديبية أنه
( من جاء محمد من قريش –أي مسلماً-يرده عليهم ، ومن جاء قريشا من المسلمين –أي
مرتداً- لا ترده إليهم)
وهم
ما رأه المسلمين أنتقاصاً من شأن المسلمين بأنهم لم يُعاملوا بالمثل وعلي قدم
المساواة مع قريش
وهنا
تناقض بينه وبين مفهوم الرده الذي يُساق إلينا
.........................................................................................................
"وفي
عام الفتح السنة الثامنة ورد عنه ما يشير بوضوح إلى أن عقوبة قتل المرتد من
العقوبات التعزيرية،وذلك حين أمر بقتل نفر من هؤلاء النفر عبدالله بن أبي السرح
وإن كان متعلقا بأستار الكعبة ،وابن أبي السرح هذا كان من كتاب الوحي ثم ارتد وصار
يشكك الناس في القرآن ،وعندما تمكن منه قبل شفاعة عثمان بن عفان فيه ولم يقم عليه
عقوبة الردة والتجديف ، فتأمل قبوله صلى الله عليه وسلم شفاعة عثمان في إسقاط
عقوبة الردة عن عبدالله بن أبي السرح أيام فتح مكة ، وعدم قبوله صلى الله عليه
وسلم شفاعة أسامة بن زيد في حد السرقة حين سرقت المرأة المخزومية أيام فتح مكة
كذلك ، بل رفض شفاعة أسامة بشدة واعتبر ذلك انتهاكا لحدود الله ، وتضييعا للدين ،
وسببا في هلاك الأمم السابقة،فقال عروة:(فلما كلمه اسامه فيها تلون وجه رسول الله
فقال:أتكلمني في حد من حدود الله ... والذي نفس محمد بيده ، لو أن فاطمة بنت محمد
سرقت لقطعت يدها ، ثم أمر رسول الله بتلك المرأة فقطعت يدها).(البخاري)1"
......................................................................................................................................
وهنا يبين
الرسول في موقفين بين الحد الذي أنزله الله وبين عقوبة القتل في تهم تختص أكثر
بشؤون الدولة أكثر ما تتعلق بأمر الدين
فقتال أبي
بكر الصديق رضي الله عنه للمرتدين كان سياسياً في المقام الأول للحفاظ علي الدولة
وهيبة الدولة الإسلامية ومنعها من التفكك وهذا يتضح جلياً من قولته " "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله
لجاهدتهم عليه". فكانت حربه سياسية في المقام الأول
وأخيراً سأنقل لكم ما قاله ربنا عز وجل
في غير موقع حول حرية العقيدة ومن سيحاسب علي المعتقد
فقال سبحانه( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ
* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ
اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ
عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ) 21 : 26 سورة الغاشية
الأمر هنا بالتذكير والتأكيد في الأية
التي تليها بأنه ليس بمصيطر عليهم ويختتم ربنا بأنه إليه المئاب وعليه الحساب
وقال سبحانه (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء
فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ
سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي
الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)
29 سورة الكهف
وهنا أطلق الله لعباده حرية الإختيار
بين الكفر والإيمان مع الوعيد بأنه جل شأنه من سيُعذب الظالمين ولم يوكلها لأحد من
عباده
وقالها
قاطعاً لا تحتمل تأويل أخر بالأية 99 من سورة يونس (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا
أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) فبأي حديث بعد ذلك
يؤمنون
فما أعلمه بان الأصل
(الأول) في التشريع هو القرآن الكريم وهو الذي توعد ربنا عز وجل بحفظه وهو الذي
حرص رسول الله صلي الله عليه وسلم بأن يُكتب الوحي أولاً بأول وحرص من بعده أبو
بكر وعثمان علي تجميعه
ومن بعده تأتي سنته صلي
الله عليه وسلم وإذا تعارض نص قرآني مع سنه فعلينا مراجعة أنفسنا جيداً وتنقية ما
دس علي سنة الحبيب من احاديث
فكما حرص الأولون علي تنقية
الشرع من الإسرائليات علينا أن ننقي ديننا من محاولات التحريف المستمرة للمعاني
وأنزال السنة في التشريع قبل القرآن عند بعض المؤولين
فأري بأن النفس بالنفس وغير ذلك يعود
لطبيعة الجرم وتقدير القاضي وأري بأن الدين النصيحة كما قال رسولنا فيجب علينا نصح
المرتد ما كان حياً ولا نقطع عليه طريق العودة الذي كفله الله إياه بقتله تعسفا
وظلما وتعدياً علي الله فيما كفله لنفسه سبحانه من حساب المرتدين
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما
توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب
والله من وراء القصد
حامد المسلمي
الخميس 03.10.2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق